الشيخ علي المشكيني
170
رسائل قرآنى
تمسّكهم بآية تدلّ على الخلافة حتّى يقال : إنّها حرّفت ونقصت عن القرآن الكريم وليست بأيدينا اليوم . وهذا ممّا يثبت عدم وقوع التحريف . ودعوى كون التحريف واقعاً في غير ما له مساس بأمر الخلافة مجازفة ؛ إذ لا داعي للتحريف إلّافيما ينافي خلافة مدّعيها . وأمّا في غير ذلك فكان دواعيهم على البقاء والحفظ تاييداً لرئاستهم ، وتقوية لسلطانهم ، وتعميداً لأركانهم . وإن كان المدّعى وقوعه في زمن عثمان بيده أو بأمره فذلك أبعد ؛ لانتشار القرآن عندئذٍ في الأقطار وفيما بين المسلمين قراءةً وكتابةً وحفظاً عن ظهر القلب ، بحيث كان الأمر أعظم من أن تناله يد عثمان باسقاط سورة أو سور منه ، أو ثلث أو نصف أو نحو ذلك ، أو زيادة شيء عليه كذلك ؛ مع أنّه لو كان ذلك لكان من الآيات التي ترجع إلى أمر الخلافة ، أو لها مساس بها ، موافقة لخلافة عثمان أو مخالفة لها . فإن كان الأوّل فلا وجه لإسقاطها ، وإن كان الثاني لكان ذلك مانعاً عن وصول عثمان إلى الخلافة ، ولجعلها مخالفوه علّة لثورتهم عليه ، وقتله مقدّماً على ما طعنوا عليه من عدم مسيره سيرة الشيخين ، وتبذيره في بيت المال ، وتخصيصه بأقاربه وأرحامه ، ولإعادة عليّ عليه السلام إلى محلّها بعد خلافته ، وأعلن بذلك الامّة الإسلاميّة ، كما أعاد القطائع التي أقطعها عثمان وخصّها بنفسه وأقاربه إلى ملك المسلمين ، وقد ورد عنه عليه السلام أنّه قال : « واللَّه لو وجدته قد تُزُوّج به النساء ومُلك به الإماء لرددته ، فإنّ في العدل سعةً ، ومَن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق » . « 1 » هذا ، مع أنّ لأمير المؤمنين وأولاده الطاهرين الأئمّة المعصومين عليهم السلام خطباً ومكاتيب وكلمات قد عابوا وطعنوا فيها على خلافة الغاصبين ، وعدّوا فيها عظائم الأُمور الصادرة منهم فضايعها ، ومن بدعات ابتدعوها ، وأحكاماً قلّبوها ، وحقائق حرّفوها ، وشرائع أزالوها ، وقوانين أبطلوها ، واصولًا غيّروها ، وحقوقاً غصبوها ، ودماء أهرقوها ، وأعراضاً هتكوها ، ولم ير فيما بين ذلك شيء من نسبة تحريف الكتاب إليهم ، قليلٍ أو كثيرٍ . وهذا يوجب القطع بعد وقوع ذلك .
--> ( 1 ) . نهج البلاغة ، ص 23 ، ضمن الخطبة 15 ؛ بحار الأنوار ، ج 97 ، ص 59 ، ح 7 .